الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
589
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
بقوله ، ولا يعارض نصه بقياس ، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه ، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال مخالف ، يسميه أصحابه معقولا ، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول ، ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد ، فكل هذا من قلة الأدب معه ، وهو عين الجراءة عليه . ورأس الأدب معه - صلى اللّه عليه وسلم - كمال التسليم له والانقياد لأمره ، وتلقى خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه صاحبه معقولا ، أو يسميه شبهة ، أو شكّا ، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالات أذهانهم ، فيوحد التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان ، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل ، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب اللّه إلا بهما ، توحيد المرسل ، وتوحيد متابعة الرسول ، فلا يتحاكم إلى غيره ، ولا يرضى بحكم غيره ، انتهى ملخصا من « المدارج » والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه - صلى اللّه عليه وسلم - فلتراجع . النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه ص ترفيعا لشأنه قال اللّه تعالى : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ( 1 ) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ « 1 » لما قال المشركون : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ « 2 » ، أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من غير واسطة ، وهكذا سنة الأحباب ، فإن الحبيب إذا سمع من يسب حبيبه تولى بنفسه - منتصرا له - جوابه ، فهنا تولى الحق سبحانه وتعالى جوابهم بنفسه منتصرا له ، لأن نصرته تعالى أتم من نصرته وأرفع لمنزلته ، ورده أبلغ من رده وأثبت في ديوان مجده .
--> ( 1 ) سورة القلم : 1 ، 2 . ( 2 ) سورة الحجر : 6 .